فصل: تفسير الآيات رقم (9- 20)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن ***


سورة الأحزاب

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏1‏)‏ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏2‏)‏ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏3‏)‏ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ‏(‏4‏)‏ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏5‏)‏ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ‏(‏6‏)‏ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ‏(‏7‏)‏ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏8‏)‏‏}‏

هذه السورة مدنية‏.‏ وتقدم أن نداءه، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏يأ أيها النبي‏}‏، ‏{‏يا أيها الرسول‏}‏ هو على سبيل التشريف والتكرمة والتنويه بمحله وفضيلته، وجاء نداء غيره باسمه، كقوله‏:‏ ‏{‏يا آدم‏}‏ ‏{‏يا نوح‏}‏ ‏{‏يا إبراهيم‏}‏ ‏{‏يا موسى‏}‏ ‏{‏يا داود‏}‏ ‏{‏يا عيسى‏}‏ وحيث ذكره على سبيل الأخبار عنه بأنه رسوله، صرح باسمه فقال‏:‏ ‏{‏محمد رسول الله‏}‏ ‏{‏وما محمد إلا رسول‏}‏ أعلم أنه رسوله، ولقنهم أن يسموه بذلك‏.‏ وحيث لم يقصد الإعلام بذلك، جاء اسمه كما جاء في النداء‏:‏ ‏{‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏}‏ ‏{‏وقال الرسول يا رب‏}‏ وغير ذلك من الآي‏.‏ وأمره بالتقوى للمتلبس بها، أمر بالديموية عليها والازدياد منها‏.‏ والظاهر أنه أمر للنبي، وإذا كان هو مأموراً بذلك، فغيره أولى بالأمر‏.‏ وقيل‏:‏ هو خطاب له لفظاً، وهو لأمّته‏.‏

وروي أنه لما قدم المدينة، وكان يحب إسلام اليهود، فبايعه ناس منهم على النفاق، وكان يلين لهم جانبه، وكانوا يظهرون النصائح في طرق المخادعة، ولحلفه وحرصه على ائتلافهم ربما كان يسمع منهم، فنزلت تحذيراً له منهم وتنبيهاً على عداوتهم‏.‏ وروي أيضاً أن أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي قدموا في الموادعة التي كانت بينهم وبينه، وقام عبد الله بن أبي، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس فقالوا له‏:‏ ارفض ذكر آلهتنا وقل‏:‏ إنها تشفع وتنفع، وندعك وربك؛ فشق ذلك عليه وعلى المؤمنين، وهموا بقتلهم، فنزلت‏.‏ وناسب أن نهاه عن طاعة الكفار، وهم المتظاهرون به، وعن طاعة المنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر‏.‏ فالسببان حاويان الطائفتين، أي‏:‏ ولا تطع الكافرين من أهل مكة، والمنافقين من أهل المدينة، فيما طلبوا إليك‏.‏ وروي أن أهل مكة دعوه إلى أن يرجع إلى دينهم، ويعطوه شطر أموالهم، ويزوجه شيبة بن ربيعة بنته؛ وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع، فنزلت‏.‏

ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها واضحة، وهو أنه حكى أنهم يستعجلون الفتح، وهو الفصل بينهم، وأخبر تعالى أنه يوم الفتح لا ينفعهم إيمانهم، فأمره في أول هذه السورة بتقوى الله، ونهاه عن طاعة الكفار والمنافقين فيما أرادوا به‏.‏ ‏{‏إن الله كان عليماً حكيماً‏}‏‏:‏ عليماً بالصواب من الخطأ، والمصلحة من المفسدة؛ حكيماً لا يضع الأشياء إلا مواضعها منوطة بالحكمة؛ أو عليماً حيث أمر بتقواه، وأنها تكون عن صميم القلب، حكيماً حيث نهى عن طاعة الكفار والمنافقين‏.‏ وقيل‏:‏ هي تسلية للرسول، أي عليماً بمن يتقي، حكيماً في هدي من شاء وإضلال من شاء‏.‏ ثم أمره باتباع ما أوحي إليه، وهو القرآن، والاقتصار عليه، وترك مراسيم الجاهلية‏.‏ وقرأ أبو عمرو‏:‏ بما يعملون، الأولى والثانية بياء الغيبة؛ وباقي السبعة‏:‏ بتاء الخطاب، فجاز في الأولى أن يكون من باب الالتفات، وجاز أن يكون مناسبة لقوله‏:‏ ‏{‏واتبع‏}‏، ثم أمره بتفويض أمره إلى الله‏.‏

وتقدم الكلام في ‏{‏كفى بالله‏}‏ في أول ما وقع في القرآن‏.‏ روي أنه كان في بني فهر رجل فيهم يقال له‏:‏ أبو معمر جميل بن أسد، وقيل‏:‏ حميد بن معمر بن حبيب بن وهب بن حارثة بن جمح، وفيه يقول الشاعر‏:‏

وكيف ثوائي بالمدينة بعدما *** قضى وطراً منها جميل بن معمر

يدعي أن له قلبين، ويقال له‏:‏ ذو القلبين، وكان يقول‏:‏ أنا أذكى من محمد وأفهم؛ فلما بلغته هزيمة بدر طاش لبه وحدث أبا سفيان بن حرب بحديث كالمختل، فنزلت‏.‏ وقال الحسن‏:‏ هم جماعة، يقول الواحد منهم‏:‏ نفس تأمرني ونفس تنهاني‏.‏ وقيل‏:‏ إن بعض المنافقين قال إن محمداً له قلبان، لأنه ربما كان في شيء، فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه، فنفى الله ذلك عنه وعن كل أحد‏.‏ قيل‏:‏ وجه نظم هذه الآية بما قبلها، أنه تعالى لما أمر بالتقوى، كان من حقها أن لا يكون في القلب تقوى غير الله، فإن المرء ليس له قلبان يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره، وهو لا يتقي غيره إلا بصرف القلب عن جهة الله إلى غيره، ولا يليق ذلك بمن يتقي الله حق تقاته‏.‏ انتهى، ملخصاً‏.‏ ولم يجعل الله للإنسان قلبين، لأنه إما أن يفعل أحدهما مثل ما يفعل الآخر من أفعال القلوب، فلا حاجة إلى أحدهما، أو غيره، فيؤدي إلى اتصاف الإنسان بكونه مريداً كارهاً عالماً ظاناً شاكاً موقناً في حال واحدة‏.‏ وذكر الجوف، وإن كان المعلوم أن القلب لا يكون إلا بالجوف، زيادة للتصوير والتجلى للمدلول عليه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن تعمى القلوب التي في الصدور‏}‏ فإذا سمع بذلك، صور لنفسه جوفاً يشتمل على قلبين يسرع إلى إنكار ذلك‏.‏

‏{‏وما جعل أزواجكم‏}‏‏:‏ لم يجعل تعالى الزوجة المظاهر منها أماً، لأن الأم مخدومة مخفوض لها جناح الذل، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوك، وهما حالتان متنافيتان‏.‏ وقرأ قالون وقنبل‏:‏ ‏{‏اللائي‏}‏ هنا، وفي المجادلة والطلاق‏:‏ بالهمز من غير ياء؛ وورش‏:‏ بياء مختلسة الكسرة؛ والبزي وأبو عمرو‏:‏ بياء ساكنة بدلاً من الهمزة، وهو بدل مسموع لا مقيس، وهي لغة قريش؛ وباقي السبعة‏:‏ بالهمز وياء بعدها‏.‏ وقرأ عاصم‏:‏ ‏{‏تظاهرون‏}‏ بالتاء للخطاب، وفي المجادلة‏:‏ بالياء للغيبة، مضارع ظاهر؛ وبشد الظاء والهاء‏:‏ الحرميان وأبو عمرو؛ وبشد الظاء وألف بعدها‏:‏ ابن عامر؛ وبتخفيفها والألف‏:‏ حمزة والكسائي؛ ووافق ابن عامر الآخرين في المجادلة؛ وباقي السبعة فيها بشدها‏.‏ وقرأ ابن وثاب، فيما نقل ابن عطية‏:‏ بضم الياء وسكون الظاء وكسر الهاء، مضارع أظهر؛ وفيما حكى أبو بكر الرازي عنه‏:‏ بتخفيف الظاء، لحذفهم تاء المطاوعة وشد الهاء‏.‏

وقرأ الحسن‏:‏ تظهرون، بضم التاء وتخفيف الظاء وشد الهاء، مضارع ظهر، مشدد الهاء‏.‏ وقرأ هارون، عن ابي عمرو‏:‏ تظهرون، بفتح التاء والهاء وسكون الظاء، مضارع ظهر، مخفف الهاء، وفي مصحف أبي‏:‏ تتظهرون، بتاءين‏.‏ فتلك تسع قراءات، والمعنى‏:‏ قال لها‏:‏ أنت علي كظهر أمي‏.‏ فتلك الأفعال مأخوذة من هذا اللفظ كقوله‏:‏ لبى المحرم إذا قال لبيك، وأفف إذا قال أف‏.‏ وعدى الفعل بمن، لأن الظهار كان طلاقاً في الجاهلية، فيتجنبون المظاهر منها، كما يتجنبون المطلقة، والمعنى‏:‏ أنه تباعد منها بجهة الظهار وغيره، أي من امرأته‏.‏ لما ضمن معنى التباعد، عدى بمن، وكنوا عن البطن بالظهر إبعاداً لما يقارب الفرج، ولكونهم كانوا يقولون‏:‏ يحرم إتيان المرأة وظهرها للسماء، وأهل المدينة يقولون‏:‏ يجيء الولد إذ ذاك أحول، فبالغوا في التغليظ في تحريم الزوجة، فشبهها بالظهر، ثم بالغ فجعلها كظهر أمه‏.‏ وروي أن زيد بن حارثة من كلب سبي صغيراً، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء أبوه وعمه بفدائه، وذلك قبل بعثة رسول الله، فأعتقه، وكانوا يقولون‏:‏ زيد بن محمد، فنزلت‏.‏

‏{‏وما جعل أدعياءكم أبناءكم‏}‏ الآية‏:‏ وكانوا في الجاهلية وصدر الإسلام إذا تبنى الرجل ولد غيره صار يرثه‏.‏ وأدعياء‏:‏ جمع دعي، فعيل بمعنى مفعول، جاء شاذاً، وقياسه فعلى، كجريح وجرحى، وإنما هذا الجمع قياس فعيل المعتل اللام بمعنى فاعل، نحو‏:‏ تقي وأتقياء‏.‏ شبهوا أدعياء بتقي، فجمعوه جمعه شذوذاً، كما شذوا في جمع أسير وقتيل فقالوا‏:‏ أسراء وقتلاء، وقد سمع المقيس فيهما فقالوا‏:‏ أسرى وقتلى‏.‏ والبنوة تقتضي التأصل في النسب، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية، فلا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً غير أصيل‏.‏ ‏{‏ذلكم‏}‏‏:‏ أي دعاؤهم أبناء مجرد قول لا حقيقة لمدلوله، إذ لا يواطئ اللفظ الاعتقاد، إذ يعلم حقيقة أنه ليس ابنه‏.‏ ‏{‏والله يقول الحق‏}‏‏:‏ أي ما يوافق ظاهراً وباطناً‏.‏ ‏{‏وهو يهدي السبيل‏}‏‏:‏ أي سبيل الحق، وهو قوله‏:‏ ‏{‏ادعوهم لآبائهم‏}‏، أو سبيل الشرع والإيمان‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ يهدي مضارع هدى؛ وقتادة‏:‏ بضم الياء وفتح الهاء وشد الدال‏.‏ و‏{‏أقسط‏}‏‏:‏ أفعل التفضيل، وتقدم الكلام فيه في أواخر البقرة، ومعناه‏:‏ أعدل‏.‏ ولما أمر بأن يدعى المتبني لأبيه إن علم قالوا‏:‏ زيد بن حارثة ‏{‏ومواليكم‏}‏؛ ولذلك قالوا‏:‏ سالم مولى أبي حذيفة‏.‏ وذكر الطبري أن أبا بكرة قرأ هذه الآية ثم قال‏:‏ أنا ممن لا يعرف أبوه، فأنا أخوكم في الدين ومولاكم‏.‏ قال الرازي‏:‏ ولو علم والله أباه حماراً لانتمى إليه، ورجال الحديث يقولون فيه‏:‏ نفيع بن الحارث‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «من ادعى إلى غير أبيه متعمداً حرم الله عليه الجنة» ‏{‏فيما أخطأتم به‏}‏، قيل‏:‏ رفع الحرج عنهم فيما كان قبل النهي، وهذا ضعيف لا يوصف بالخطأ ما كان قبل النهي‏.‏

وقيل‏:‏ فيما سبق إليه اللسان‏.‏ أما على سبيل الغلط، إن كان سبق ذلك إليهم قبل النهي، فجرى ذلك على ألسنتهم غلطاً، أو على سبيل التحنن والشفقة، إذ كثيراً ما يقول الإنسان للصغير‏:‏ يا بني، كما يقول للكبير‏:‏ يا أبي، على سبيل التوقير والتعظيم‏.‏ وما عطف على ما أخطأتم، أي ولكن الجناح فيما تعمدت قلوبكم‏.‏ وأجيز أن تكون ما في موضع رفع بالابتداء، أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح‏.‏ ‏{‏وكان الله غفوراً‏}‏ للعامد إذا تاب، ‏{‏رحيماً‏}‏ حيث رفع الجناح عن المخطئ‏.‏

وكونه، عليه السلام، ‏{‏أولى بالمؤمنين من أنفسهم‏}‏‏:‏ أي أرأف بهم وأعطف عليهم، إذ هو يدعوهم إلى النجاة، وأنفسهم تدعوهم إلى الهلاك‏.‏ ومنه قوله، عليه السلام‏:‏ «أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش» ومن حيث ينزل لهم منزلة الأب‏.‏ وكذلك في محصف أبي، وقراءة عبد الله‏:‏ ‏{‏وأزواجه أمهاتهم‏}‏‏:‏ وهو أب لهم، يعني في الدين‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ كل نبي أبو أمته‏.‏ وقد قيل في قول لوط عليه السلام‏:‏ هؤلاء بناتي، إنه أراد المؤمنات، أي بناته في الدين؛ ولذلك جاء‏:‏ ‏{‏إنما المؤمنون إخوة‏}‏ أي في الدين‏.‏ وعنه عليه السلام‏:‏ «ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة‏.‏ واقرأوا إن شئتم‏:‏ ‏{‏النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم‏}‏، فأيما مؤمن هلك وترك مالاً، فليرثه عصبته من كانوا؛ وإن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي» قيل‏:‏ وأطلق في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولى بالمؤمنين‏}‏‏:‏ أي في كل شيء، ولم يقيد‏.‏ فيجب أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقوقه آثر، إلى غير ذلك مما يجب عليهم في حقه‏.‏ انتهى‏.‏ ولو أريد هذا المعنى، لكان التركيب‏:‏ المؤمنون أولى بالنبي منهم بأنفسهم‏.‏ ‏{‏وأزواجه أمهاتهم‏}‏‏:‏ أي مثل أمهاتهم في التوقير والاحترام‏.‏ وفي بعض الأحكام‏:‏ من تحريم نكاحهن، وغير ذلك مما جرين فيه مجرى الأجانب‏.‏ وظاهر قوله‏:‏ ‏{‏وأزواجه‏}‏‏:‏ كل من أطلق عليها أنها زوجة له، عليه السلام، من طلقها ومن لم يطلقها‏.‏ وقيل‏:‏ لا يثبت هذا الحكم لمطلقة‏.‏ وقيل‏:‏ من دخل بها ثبتت حرمتها قطعاً‏.‏ وهمَّ عمر برجم امرأة فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونكحت بعده، فقالت له‏:‏ ولم هذا، وما ضرب علي حجاباً، ولا سميت للمسلمين أماً‏؟‏ فكف عنها‏.‏ كان أولاً بالمدينة، توارث بأخوة الإسلام وبالهجرة، ثم حكى تعالى بأن أولي الأرحام أحق بالتوارث من الأخ في الإسلام، أو بالهجرة في كتاب الله، أي في اللوح المحفوظ، أو في القرآن من المؤمنين والمهاجرين، أي أولى من المؤمنين الذين كانوا يتوارثون بمجرد الإيمان، ومن المهاجرين الذين كانوا يتوارثون بالهجرة‏.‏ وهذا هو الظاهر، فيكون من هنا كهي في‏:‏ زيد أفضل من عمرو‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ يجوز أن يكون بياناً لأولي الأرحام، أي الأقرباء من هؤلاء، بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب‏.‏ انتهى‏.‏ والظاهر عموم قوله‏:‏ ‏{‏إلى أوليائكم‏}‏، فيشمل جميع أقسامه، من قريب وأجنبي، مؤمن وكافر، يحسن إليه ويصله في حياته، ويوصي له عند الموت، قاله قتادة والحسن وعطاء وابن الحنفية‏.‏ وقال مجاهد، وابن زيد، والرماني وغيره‏:‏ ‏{‏إلى أوليائكم‏}‏، مخصوص بالمؤمنين‏.‏

وسياق ما تقدم في المؤمنين يعضد هذا، لكن ولاية النسب لا تدفع في الكافر، إنما تدفع في أن تلقي إليه بالمودة، كولي الإسلام‏.‏ وهذا الاستثناء في قوله‏:‏ ‏{‏إلا أن تفعلوا‏}‏ هو مما يفهم من الكلام، أي‏:‏ ‏{‏وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض‏}‏ في النفع بميراث وغيره‏.‏ وعدى بإلى، لأن المعنى‏:‏ إلا أن توصلوا إلى أوليائكم، كان ذلك إشارة إلى ما في الآيتين‏.‏ ‏{‏في الكتاب‏}‏‏:‏ إما اللوح، وإما القرآن، على ما تقدم‏.‏ ‏{‏مسطوراً‏}‏‏:‏ أي مثبتاً بالأسطار، وهذه الجملة مستأنفة كالخاتمة، لما ذكر من الأحكام، ولما كان ما سبق أحكام عن الله تعالى، وكان فيها أشياء مما كانت في الجاهلية، وأشياء في الإسلام نسخت‏.‏ أتبعه بقوله‏:‏ ‏{‏وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم‏}‏‏:‏ أي في تبليغ الشرائع والدعاء إلى الله، فلست بدعاً في تبليغك عن الله‏.‏ والعامل في إذ، قاله الحوفي وابن عطية، يجوز أن يكون مسطوراً، أي مسطوراً في أم الكتاب، وحين أخذنا‏.‏ وقيل‏:‏ العامل‏:‏ واذكر حين أخذنا، وهذا الميثاق هو في تبليغ رسالات الله والدعاء إلى الإيمان، ولا يمنعهم من ذلك مانع، لا من خوف ولا طمع‏.‏ قال الكلبي‏:‏ أخذ ميثاقهم بالتبليغ‏.‏ وقال قتادة‏:‏ بتصديق بعضهم بعضاً، والإعلان بأن محمداً رسول الله، وإعلان رسول الله أن لا نبي بعده‏.‏ وقال الزجاج وغيره‏:‏ الذي أخذ عليهم وقت استخراج البشر من صلب آدم كالذر، قالوا‏:‏ فأخذ الله حينئذ ميثاق النبيين بالتبليغ وتصديق بعضهم بعضاً، وبجميع ما تضمنته النبوة‏.‏ وروي نحوه عن أبيّ بن كعب، وخص هؤلاء الخمسة بالذكر بعد دخولهم في جملة النبيين‏.‏ وقيل‏:‏ هم أولو العزم لشرفهم وفضلهم على غيرهم‏.‏ وقدم محمد صلى الله عليه وسلم، لكونه أفضل منهم، وأكثرهم أتباعاً‏.‏ وقدم نوح في آية الشورى في قوله‏:‏ ‏{‏شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً‏}‏ الآية، لأن إيراده على خلاف‏.‏ الإيراد، فهناك أورده على طريق وصف دين الإسلام بالأصالة، فكأنه قال‏:‏ شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير‏.‏

والميثاق الثاني هو الأول، وكرر لأجل صفته‏.‏ والغلظ‏:‏ من صفة الأجسام، واستعير للمعنى مبالغاً في حرمته وعظمته وثقل فرط تحمله‏.‏ وقيل‏:‏ الميثاق الغليظ‏:‏ اليمين بالله على الوفاء بما حمله‏.‏ واللام في ‏{‏ليسأل‏}‏، قيل‏:‏ يحتمل أن تكون لام الصيرورة، أي أخذ الميثاق على الأنبياء ليصير الأمر إلى كذا‏.‏

والظاهر أنها لام كي، أي بعثنا الرسل وأخذنا عليهم المواثيق في التبليغ، لكي يجعل الله خلقه فرقتين‏:‏ فرقة يسألها عن صدقها على معنى إقامة الحجة، فتجيب بأنها قد صدقت الله في إيمانها وجميع أفعالها، فيثيبها على ذلك؛ وفرقة كفرت، فينالها ما أعد لها من العذاب‏.‏ فالصادقون على هذا المسؤولون هم‏:‏ المؤمنون‏.‏ والهاء في ‏{‏صدقهم‏}‏ عائدة عليهم، ومفعول ‏{‏صدقهم‏}‏ محذوف تقديره‏:‏ عن صدقهم عهده‏.‏ أو يكون ‏{‏صدقهم‏}‏ في معنى‏:‏ تصديقهم، ومفعوله محذوف، أي عن تصديقهم الأنبياء، لأن من قال للصادق صدقت، كان صادقاً في قوله‏.‏ أو ليسأل الأنبياء الذي أجابتهم به أممهم، حكاه علي بن عيسى؛ أو ليسأل عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم، حكاه ابن شجرة؛ أو ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم، قاله مجاهد، وفي هذا تنبيه، أي إذا كان الأنبياء يسألون، فكيف بمن سواهم‏؟‏ وقال مجاهد أيضاً‏:‏ ‏{‏ليسأل الصادقين‏}‏، أراد المؤدين عن الرسل‏.‏ انتهى‏.‏ وسؤال الرسل تبكيت للكافرين بهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين‏}‏ ‏{‏وأعد‏}‏‏:‏ معطوف على ‏{‏أخذنا‏}‏، لأن المعنى‏:‏ أن الله أكد على الأنبياء الدعاء إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين‏.‏ ‏{‏وأعد للكافرين عذاباً أليماً‏}‏، أو على ما دل عليه‏:‏ ‏{‏ليسأل الصادقين‏}‏، كأنه قال‏:‏ فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين، قالهما الزمخشري‏.‏ ويجوز أن يكون حذف من الأول ما أثيب به الصادقون، وهم المؤمنون، وذكرت العلة؛ وحذف من الثاني العلة، وذكر ما عوقبوا به‏.‏ وكان التقدير‏:‏ ليسأل الصادقين عن صدقهم، فأثابهم؛ ويسأل الكافرين عما أجابوا به رسلهم، كقوله‏:‏ ‏{‏ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين، فعميت عليهم الانباء‏}‏ و‏{‏أعد لهم عذاباً أليماً‏}‏ فحذف من الأول ما أثبت مقابله في الثاني، ومن الثاني ما أثبت مقابله في الأول، وهذه طريقة بليغة، وقد تقدم لنا ذكر ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق‏}‏ وأمعنا الكلام هناك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 20‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ‏(‏9‏)‏ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ‏(‏10‏)‏ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ‏(‏11‏)‏ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ‏(‏12‏)‏ وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ‏(‏13‏)‏ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ‏(‏14‏)‏ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ‏(‏15‏)‏ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏16‏)‏ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏17‏)‏ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏18‏)‏ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏19‏)‏ يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏20‏)‏‏}‏

ذكرهم الله تعالى بنعمته عليهم في غزوة الخندق، وما اتصل بها من أمر بني قريظة، وقد استوفى ذلك أهل السير، ونذكر من ذلك ما له تعلق بالآيات التي نفسرها‏.‏

وإذ معمولة لنعمة، أي إنعامه عليكم وقت مجيء الجنود، والجنود كانوا عشرة الآف، قريش ومن تابعهم من الأحابيش في أربعة آلاف يقودهم أبو سفيان، وبنو أسد يقودهم طليحة، وغطفان يقودهم عيينة، وبنو عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وسليم يقودهم أبو الأعور، واليهود النضير رؤساؤهم حيي بن أخطب وابنا أبي الحقيق، وبنو قريظة سيدهم كعب بن أسد، وكان بينه وبين الرسول عهد، فنبذه بسعي حيي بن أخطب‏.‏ وقيل‏:‏ فاجتمعوا خمسة عشر ألفاً، وهم الأحزاب، ونزلوا المدينة، فحفروا الخندق بإشارة سليمان، وظهرت للرسول به تلك المعجزة العظيمة من كسر الصخرة التي أعوزت الصحابة ثلاث فرق، ظهرت مع كل فرقة برقة، أراه الله منها مدائن كسرى وما حولها، ومدائن قيصر وما حولها، ومدائن الحبشة وما حولها؛ وبشر بفتح ذلك، وأقام الذراري والنساء بالآطام، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ثلاثة آلاف، فنزلوا بظهر سلع، والخندق بينهم وبين المشركين، وكان ذلك في شوال، سنة خمس، قاله ابن إسحاق‏.‏ وقال مالك‏:‏ سنة أربع‏.‏

وقرأ الحسن‏:‏ وجنوداً، بفتح الجيم؛ والجمهور‏:‏ بالضم‏.‏ بعث الله الصبا لنصرة نبيه، فأضرت بهم؛ هدمت بيوتهم، وأطفأت نيرانهم، وقطعت حبالهم، وأكفأت قدورهم، ولم يمكنهم معها قرار‏.‏ وبعث الله مع الصبا ملائكة تشدد الريح وتفعل نحو فعلها‏.‏ وقرأ أبو عمرو في رواية، وأبو بكرة في رواية‏:‏ لم يروها، بياء الغيبة؛ وباقي السبعة، والجمهور‏:‏ بتاء الخطاب‏.‏ ‏{‏من فوقكم‏}‏‏:‏ من أعلى الوادي من قبل مشرق غطفان، ‏{‏ومن أسفل منكم‏}‏‏:‏ من أسفل الوادي منه قبل المغرب، وقريش تحزبوا وقالوا‏:‏ نكون جملة حتى نستأصل محمداً‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏من فوقكم‏}‏، يريد أهل نجد مع عيينة بن حصن، و‏{‏من أسفل منكم‏}‏، يريد مكة وسائر تهامة، وهو قول قريب من الأول‏.‏ وقيل‏:‏ إنما يراد ما يختص ببقعة المدينة، أي نزلت طائفة في أعلى المدينة، وطائفة في أسفلها، وهذا قريب من القول الأول، وقد يكون ذلك على معنى المبالغة، أي جاءوكم من جميع الجهات، كأنه قيل‏:‏ إذ جاءوكم محيطين بكم، كقوله‏:‏ ‏{‏يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم‏}‏ المعنى‏:‏ يغشاهم محيطاً بجميع أبدانهم‏.‏ وزيغ الأبصار‏:‏ ميلها عن مستوى نظرها، فعل الواله الجزع‏.‏ وقال الفراء‏:‏ زاغت من كل شيء، فلم تلتفت إلا إلى عدوها‏.‏ وبلوغ القلب الحناجر‏:‏ مبالغة في اضطرابها ووجيبها، دون أن تنتقل من مقرها إلى الحنجرة‏.‏ وقيل‏:‏ بحت القلوب من شدة الفزع، فيتصل وجيبها بالحنجرة، فكأنها بلغتها‏.‏ وقيل‏:‏ يجد خشونة وقلبه يصعد علواً لينفصل، فالبلوغ ليس حقيقة‏.‏

وقيل‏:‏ القلب عند الغضب يندفع، وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة‏.‏ وقيل‏:‏ يفضي إلى أن يسد مخرج النفس، فلا يقدر المرء أن يتنفس، ويموت خوفاً، ومثله‏:‏ ‏{‏إذ القلوب لدى الحناجر‏}‏ وقيل‏:‏ إذا انتفخت الرئة من شدّة الفزع والغضب، أو الغم الشديد، ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثم قيل للجبان، انتفخ سحره‏.‏ والظنون‏:‏ جمع لما اختلفت متعلقاته، وإن كان لا ينقاس عند من جمع المصدر إذا اختلفت متعلقاته، وينقاس عند غيره، وقد جاء الظنون جمعاً في أشعارهم، أنشد أبو عمرو في كتاب الألحان‏:‏

إذا الجوزاء أردفت الثريا *** ظننت بآل فاطمة الظنونا

فظن المؤمنون الخلص أن ما وعدهم الله من النصر حق، وأنهم يستظهرون؛ وظن الضعيف الإيمان مضطربه، والمنافقون أن الرسول والمؤمنين سيغلبون، وكل هؤلاء يشملهم الضمير في ‏{‏وتظنون‏}‏‏.‏ وقال الحسن‏:‏ ظنوا ظنوناً مختلفة، ظن المنافقون أن المسليمن يستأصلون، وظن المؤمنون أنهم يبتلون‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ أي يكادون يضطربون، ويقولون‏:‏ ما هذا الخلف للوعد‏؟‏ وهذه عبارة عن خواطر خطرت للمؤمنين، لا يمكن البشر دفعها‏.‏ وأما المنافقون فعجلوا ونطقوا‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ظن المؤمنون الثبت القلوب بالله أن يبتليهم ويفتنهم، فخافوا الزلل وضعف الاحتمال؛ والضعاف القلوب الذين هم على حرف والمنافقون ظنوا بالله ما حكى عنهم، وكتب‏:‏ الظنونا والرسولا والسبيلا في المصحف بالألف، فحذفها حمزة وأبو عمرو وقفاً ووصلاً؛ وابن كثير، والكسائي، وحفص‏:‏ بحذفها وصلاً خاصة؛ وباقي السبعة‏:‏ بإثباتها في الحالين‏.‏ واختار أبو عبيد والحذاق أن يوقف على هذه الكلمة بالألف، ولا يوصل، فيحذف أو يثبت، لأن حذفها مخالف لما اجتمعت عليه مصاحف الأمصار، ولأن إثباتها الوصل معدوم في لسان العرب، نظمهم ونثرهم، لا في اضطرار ولا غيره‏.‏ أما إثباتها في الوقف ففيه اتباع الرسم وموافقته لبعض مذاهب العرب، لأنهم يثبتون هذه الألف في قوافي أشعارهم وفي تصاريفها، والفواصل في الكلام كالمصارع‏.‏ وقال أبو علي‏:‏ هي رؤوس الآي، تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع، كما كانت القوافي مقاطع‏.‏

و ‏{‏هنالك‏}‏‏:‏ ظرف مكان للبعيد هذا أصله، فيحمل عليه، أي في ذلك المكان الذي وقع فيه الحصار والقتال ‏{‏ابتلي المؤمنون‏}‏، والعامل فيه ابتلي‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ ‏{‏هنالك‏}‏ ظرف زمان؛ قال‏:‏ ومن قال إن العامل فيه ‏{‏وتظنون‏}‏، فليس قوله بالقوي، لأن البداءة ليست متمكنة‏.‏ وابتلاؤهم، قال الضحاك‏:‏ بالجوع‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ بالحصار‏.‏ وقيل‏:‏ بالصبر على الإيمان‏.‏ ‏{‏وزلزلوا‏}‏، قال ابن سلام‏:‏ حركوا بالخوف‏.‏ وقيل؛ ‏{‏زلزلوا‏}‏، فثبتوا وصبروا حتى نصروا‏.‏ وقيل‏:‏ حركوا إلى الفتنة فعصموا‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ وزلزلوا، بضم الزاي‏.‏ وقرأ أحمد بن موسى اللؤلؤي، عن أبي عمرو‏:‏ بكسر الزاي، قال ابن خالويه‏.‏ وقال الزمخشري، وعن أبي عمرو‏:‏ إشمام زاي زلزلوا‏.‏ انتهى، كأنه يعني‏:‏ إشمامها الكسر، ووجه الكسر في هذه القراءة الشاذة أنه أتبع حركة الزاي الأولى بحركة الثانية، ولم يعتد بالساكن، كما يعتدّ به من قال‏:‏ منتن، بكسر الميم إتباعاً لحركة التاء، وهو اسم فاعل من أنتن‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏زلزالاً‏}‏، بكسر الزاي؛ والجحدري‏.‏ وعيسى‏:‏ بفتحها، وكذا‏:‏ ‏{‏إذا زلزلت الأرض زلزالها‏}‏، ومصدر فعلل من المضاعف يجوز فيه الكسر والفتح نحو‏:‏ قلقل قلقالاً‏.‏ وقد يراد بالمفتوح معنى اسم الفاعل، فصلصال بمعنى مصلصل، فإن كان غير مضاعف، فما سمع منه على فعلان، مكسور الفاء نحو‏:‏ سرهفه سرهافاً‏.‏

‏{‏وإذ يقول المنافقون‏}‏‏:‏ وهم المظهرون للإيمان المبطنون الكفر‏.‏ ‏{‏والذين في قلوبهم مرض‏}‏‏:‏ هم ضعفاء الإيمان الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، فهم على حرف، والعطف دال على التغاير، نبه عليهم على جهة الذم‏.‏ لما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصخرة، وبرقت تلك البوارق، وبشر بفتح فارس والروم واليمن والحبشة، قال معتب بن قشير‏:‏ يعدنا محمد أن نفتح كنوز كسرى وقيصر ومكة، ونحن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط، ما يعدنا إلا غروراً‏:‏ أي أمراً يغرنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به‏.‏ وقال غيره من المنافقين نحو ذلك‏.‏ وقولهم‏:‏ ‏{‏ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً‏}‏، هو على سبيل الهزء، إذ لو اعتقدوا أنه رسول حقيقة ما قالوا هذه المقالة، فالمعنى‏:‏ ورسوله على زعمكم وزعمه، وفي معتب ونظرائه نزلت هذه الآية‏.‏

‏{‏وإذ قالت طائفة منهم‏}‏‏:‏ أي من المنافقين، ‏{‏لا مقام لكم‏}‏ في حومة القتال والممانعة، ‏{‏فارجعوا‏}‏ إلى بيوتكم ومنازلكم، أمروهم بالهرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ فارجعوا كفاراً إلى دينكم الأول وأسلموه إلى أعدائه‏.‏ قال السدي‏:‏ والقائل لذلك عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ بنو مسلمة‏.‏ وقال أوس بن رومان‏:‏ أوس بن قبطي وأصحابه‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ بنو حارثة‏.‏ ويمكن صحة هذه الأقوال، فإن فيهم من كان منافقاً‏.‏ ‏{‏لا مقام لكم‏}‏، وقرأ السلمي والأعرج واليماني وحفص‏:‏ بضم الميم، فاحتمل أن يكون مكاناً، أي لا مكان إقامة؛ واحتمل أن يكون مصدراً، أي لا إقامة‏.‏ وقرأ أبو جعفر، وشيبة، وأبو رجاء، والحسن، وقتادة، والنخعي، وعبد الله بن مسلم، وطلحة، وباقي السبعة‏:‏ بفتحها، واحتمل أيضاً المكان، أي لا مكان قيام، واحتمل المصدر، أي لا قيام لكم‏.‏ ‏{‏ويستأذن فريق منهم النبي‏}‏‏:‏ هو أوس بن قبطي، استأذن في الدخول إلى المدينة عن اتفاق من عشيرته‏.‏ ‏{‏يقولون‏}‏‏:‏ حال، أي قائلين‏:‏ ‏{‏إن بيوتنا عورة‏}‏‏:‏ أي منكشفة للعدو، وقيل‏:‏ خالية للسراق، يقال‏:‏ أعور المنزل‏:‏ انكشف‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

له الشدة الأولى إذا القرن أعوراً *** وقال ابن عباس‏:‏ الفريق بنو حارثة، وهم كانوا عاهدوا الله لا يولون الأدبار، اعتذروا بأن بيوتهم معرضة للعدو، ممكنة للسراق، لأنها غير محرزة ولا محصنة، فاستأذنوه ليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله بأنهم لا يخافون ذلك، وإنما يريدون الفرار‏.‏

وقرأ ابن عباس، وابن يعمر، وقتادة، وأبو رجاء، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، وأبو طالوت، وابن مقسم، وإسماعيل بن سليمان عن ابن كثير‏:‏ عورة وبعوزة، بكسر الواو فيهما؛ والجمهور‏:‏ بإسكانها‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ويجوز أن يكون تخفيف عورة وبالكسر هو اسم فاعل‏.‏ وقال ابن جني‏:‏ صحة الواو في هذا إشارة لأنها متحركة قبلها فتحة‏.‏ انتهى‏.‏ فيعني أنها تنقلب ألفاً، فيقال‏:‏ عارة، كما يقول‏:‏ رجل مال، أي ممول‏.‏ وإذا كان عورة اسم فاعل، فهو من عور الذي صحت عينه، فاسم الفاعل كذلك تصح عينه، فلا تكون صحة العين على هذا شذوذاً‏.‏ وقيل‏:‏ السكون على أنه مصدر وصف به، والبيت العور‏:‏ هو المنفرد المعرض لمن أراد سوءاً‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ عور المكان يعور عوراً وعورة فهو عور، وبيوت عورة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ أعور المنزل‏:‏ بدا منه عورة، وأعور الفارس‏:‏ كان فيه موضع خلل للضرب والطعن‏.‏ قال الشاعر‏:‏

متى تلقهم لم تلق في البيت معوراً *** ولا الضيف مسحوراً ولا الجار مرسلاً

قال الكلبي‏:‏ ‏{‏عورة‏}‏‏:‏ خالية من الرجال ضائعة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ قاصية، يخشى عليها العدو‏.‏ وقال السدي‏:‏ قصيرة الحيطان، يخاف عليها السراق‏.‏ وقال الليث‏:‏ العورة‏:‏ سوءة الإنسان، وكل أمر يستحيا منه فهو عورة، يقال‏:‏ عورة في التذكير والتأنيث، والجمع كالمصدر‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ قالت اليهود لعبد الله ابن أبي ابن سلول وأصحابه من المنافقين‏:‏ ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه‏؟‏ فارجعوا إلى المدينة فأنتم آمنون‏.‏ ‏{‏إن يريدون إلا فراراً‏}‏‏:‏ من الدين، وقيل‏:‏ من القتل‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ ورجع ثمانون رجلاً من غير إذن للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ والضمير في‏:‏ ‏{‏دُخِلتْ‏}‏، الظاهر عوده على البيوت، إذ هو أقرب مذكور‏.‏ قيل‏:‏ أو على المدينة، أي ولو دخلها الأحزاب الذين يفرون خوفاً منها؛ والثالث على أهاليهم وأولادهم‏.‏ ‏{‏ثم سئلوا الفتنة‏}‏‏:‏ أي الردة والرجوع إلى إظهار الكفر ومقاتلة المسلمين‏.‏ ‏{‏لآتوها‏}‏‏:‏ أي لجاءوا إليها وفعلوا على قراءة القصر، وهي قراءة نافع وابن كثير‏.‏ وقرأ باقي السبعة‏:‏ لآتوها بالمد، أي لأعطوها‏.‏ ‏{‏وما تلبثوا بها‏}‏‏:‏ وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم ‏{‏إلا يسيراً‏}‏، فإن الله يهلكهم ويخرجهم بالمؤمنين‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ولو دخلت المدينة من أقطارها، واشتد الحرب الحقيقي، ثم سئلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلم، لطاروا إليها وأتوها مجيبين فيها، ولم يتلبثوا في بيوتهم لحفظها إلا يسيراً، قيل‏:‏ قدر ما يأخذون سلاحهم‏.‏ انتهى‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ سئلوا، وقرأ الحسن‏:‏ سولوا، بواو ساكنة بعد السين المضمومة، قالوا‏:‏ وهي من سال يسال، كخاف يخاف، لغة من سأل المهموز العين‏.‏ وحكى أبو زيد‏:‏ هما يتساولان‏.‏ انتهى‏.‏ ويجوز أن يكون أصلها الهمز، لأنه يجوز أن يكون سولوا على قول من يقول في ضرب ضرب، ثم سهل الهمزة بإبدالها واواً على قول من قال في بؤس بوس، بإبدال الهمزة واواً لضمة ما قبلها‏.‏

وقرأ عبد الوارث، عن أبي عمرو والأعمش‏:‏ سيلوا، بكسر السين من غير همز، نحو‏:‏ قيل‏.‏ وقرأ مجاهد‏:‏ سوئلوا، بواو بعد السين المضمومة وياء مكسورة بدلاً من الهمزة‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ ‏{‏ثم سئلوا الفتنة‏}‏‏:‏ أي القتال في العصبية، لأسرعوا إليه‏.‏ وقال الحسن‏:‏ الفتنة، الشرك، والظاهر عود الضمير بها على الفتنة‏.‏ وقيل‏:‏ يعود على المدينة‏.‏ و‏{‏عاهدوا‏}‏‏:‏ أجرى مجرى اليمين، ولذلك يتلقى بقوله‏:‏ ‏{‏لا يولون الأدبار‏}‏‏.‏ وجواب هذا القسم جاء على الغيبة عنهم على المعنى‏:‏ ولو جاء كما لفظوا به، لكان التركيب‏:‏ لا نولي الأدبار‏.‏ والذين عاهدوا‏:‏ بنو حارثة وبنو مسلمة، وهما الطائفتان اللتان هما بالفشل في يوم أُحُد، ثم تابوا وعاهدوا أن لا يفروا، فوقع يوم الخندق من بني حارثة ذلك الاستئذان‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ عاهدوا بمكة ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منهم أنفسهم‏.‏ وقيل‏:‏ ناس غابوا عن وقعة بدر قالوا‏:‏ لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن من قبل‏:‏ أي من قبل هذه الغزوة، غزوة الخندق‏.‏ ‏{‏لا يولون الأدبار‏}‏‏:‏ كناية عن الفرار والانهزام، سئلوا مطلوباً مقتضى حتى يوفى به، وفي ذلك تهديد ووعيد‏.‏

‏{‏قل لن ينفعكم الفرار‏}‏‏:‏ خطاب توبيخ وإعلام أن الفرار لا ينجي من القدر، وأنه تنقطع أعمارهم في يسير من المدة، واليسير‏:‏ مدة الآجال‏.‏ قال الربيع بن خيثم‏:‏ وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي‏:‏ ‏{‏إن فررتم من الموت‏}‏، أو القتل، لا ينفعكم الفرار، لأن مجيء الأجل لا بد منه‏.‏ وإذاً هنا تقدّمها حرف عطف، فلا يتحتم إعمالها، بل يجوز، ولذلك قرأ بعضهم‏:‏ ‏{‏وإذاً لا يلبثوا خلفك‏}‏ في سورة الإسراء، بحذف النون‏.‏ ومعنى خلفك‏:‏ أي بعد فراقهم إياك‏.‏ و‏{‏قليلاً‏}‏‏:‏ نعت لمصدر محذوف، أي تمتيعاً قليلاً، أو لزمان محذوف، أي زماناً قليلاً‏.‏ ومرّ بعض المروانية على حائط مائل فأسرع، فتليت له هذه الآية، فقال‏:‏ ذلك القليل نطلب‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لا تمتعون‏}‏، بتاء الخطاب؛ وقرئ‏:‏ بياء الغيبة‏.‏ و‏{‏من ذا‏}‏‏:‏ استفهام، ركبت ذا مع من وفيه معنى النفي، أي لا أحد يعصمكم من الله‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة، ولا عصمة إلا من السوء‏؟‏ قلت‏:‏ معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجرى مجرى قوله‏:‏

متقلداً سيفاً ورمحاً *** أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع‏.‏ انتهى‏.‏

أما الوجه الأول ففيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه، لا سيما إذا قدر مضاف محذوف، أي يمنعكم من مراد الله‏.‏ والقائلين لإخوانهم كانوا، أي المنافقون، يثبطون إخوانهم من ساكني المدينة من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون‏:‏ ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان، فخلوهم‏.‏

وقيل‏:‏ هم اليهود، كانوا يقولون لأهل المدينة‏:‏ تعالوا إلينا وكونوا معنا‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب، فوجد شقيقه عنده سويق ونبيذ، فقال‏:‏ أنت ها هنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف‏؟‏ فقال‏:‏ هلم إليه، فقد أحيط بك وبصاحبك‏.‏ والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبداً، فقال‏:‏ كذبت والذي يحلف به، ولأخبرنه بأمرك‏.‏ فذهب ليخبره، فوجد جبريل قد نزل بهذه الآية‏.‏ وقال ابن السائب‏:‏ هي في عبد الله بن أبيّ، ومعتب بن قشير، ومن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة‏.‏ فإذا جاءهم المنافق قالوا له‏:‏ ويحك اجلس ولا تخرج، ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر أن ائتونا فإنا ننتظركم‏.‏ وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن يجدوا بداً من إتيانه، فيأتون ليرى الناس وجوههم، فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة، فنزلت‏.‏ وتقدم الكلام في ‏{‏هلم‏}‏ في أواخر الأنعام‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وهلموا إلينا، أي قربوا أنفسكم إلينا، قال‏:‏ وهو صوت سمي به فعل متعد مثل‏:‏ احضر واقرب‏.‏ انتهى‏.‏

والذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتاً، وإنما هو مركب مختلف في أصل تركيبه؛ فقيل‏:‏ هو مركب من ها التي للتنبيه ولم، وهو مذهب البصريين‏.‏ وقيل‏:‏ من هل وأم، والكلام على ترجيح المختار منهما مذكور في النحو‏.‏ وأما قوله‏:‏ سمي به فعل متعد، ولذلك قدر ‏{‏هلم إلينا‏}‏‏:‏ أي قربوا أنفسكم إلينا؛ والنحويون‏:‏ أنه متعد ولازم؛ فالمتعدي كقوله‏:‏ ‏{‏قل هلم شهداءكم‏}‏ أي احضروا شهداءكم، واللازم كقوله‏:‏ ‏{‏هلم إلينا‏}‏، وأقبلوا إلينا‏.‏ ‏{‏ولا يأتون البأس‏}‏‏:‏ أي القتال، ‏{‏إلا قليلاً‏}‏‏.‏ يخرجون مع المؤمنين، يوهمونهم أنهم معهم، ولا نراهم يقاتلون إلا شيئاً قليلاً إذا اضطروا إليه، كقوله‏:‏ ‏{‏ما قاتلوا إلا قليلاً‏}‏‏.‏ وقلته إما لقصر زمانه، وإما لقلة عقابه، وإنه رياء وتلميع لا تحقيق‏.‏

‏{‏أشحة‏}‏‏:‏ جمع شحيح، وهو البخيل، وهو جمع لا ينقاس، وقياسه في الصفة المضعفة العين واللام فعلاء نحو‏:‏ خليل وأخلاء؛ فالقياس أشحاء، وهو مسموع أيضاً، ومتعلق الشح بأنفسهم، أو بأحوالهم، أو بأموالهم في النفقات في سبيل الله، أو بالغنيمة عند القسم، أقوال‏.‏ والصواب‏:‏ أن يعم شحهم كل ما فيه منفعة للمؤمنين‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏أشحة عليكم‏}‏ في وقت الحرب، أضناء بكم، يترفرفون عليكم، كما يفعل الرجال بالذاب عن المناضل دونه عند الخوف‏.‏ ‏{‏ينظرون إليك‏}‏ في تلك الحالة، كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت، حذراً وخوراً ولواذاً، فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة، نقلوا ذلك الشح وتلك الضنة والرفرفة عليكم إلى الخير، وهو المال والغنيمة وسوء تلك الحالة الأولى، واجترؤوا عليكم وضربوكم بألسنتهم، وقالوا‏:‏ وفروا قسمتنا، فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوكم، وبنا نصرتم عليهم‏.‏ انتهى‏.‏ وهو تكثير وتحميل للفظ ما لا يحتمله كعادته‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أشحة‏}‏، بالنصب‏.‏ قال الفراء‏:‏ على الذم، وأجاز نصبه على الحال، والعامل يعوقون‏.‏ وقال الطبري‏:‏ حال من ‏{‏هلم إلينا‏}‏‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ حال من ‏{‏ولا يأتون‏}‏؛ وقيل‏:‏ حال من ‏{‏المعوقين‏}‏؛ وقيل‏:‏ من ‏{‏القائلين‏}‏، ورد القولان بأن فيهما تفريقاً بين الموصول وما هو من تمام صلته‏.‏ وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ أشحة، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي هم أشحة‏.‏

‏{‏فإذا جاء الخوف‏}‏ من العدو، وتوقع أن يستأصل أهل المدينة، لاذ هؤلاء المنافقون بك ينظرون نظر الهلوع المختلط النظر، الذي يغشى عليه من الموت‏.‏ و‏{‏تدور‏}‏‏:‏ في موضع الحال، أي دائرة أعينهم‏.‏ ‏{‏كالذي‏}‏‏:‏ في موضع الصفة لمصدر محذوف، وهو مصدر مشبه، أي دوراناً كدوران عين الذي يغشى عليه‏.‏ فبعد الكاف محذوفان وهما‏:‏ دوران وعين، ويجوز أن يكون في موضع الصفة لمصدر من ‏{‏ينظرون إليك‏}‏، نظراً كنظر الذي يغشى عليه‏.‏ وقيل‏:‏ إذا جاء الخوف من القتال، وظهر المسلمون على أعدائهم، ‏{‏رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم‏}‏ في رؤوسهم، وتجول وتضطرب رجاء أن يلوح لهم‏.‏ قال قتادة‏:‏ بسطوا ألسنتهم فيكم‏.‏ قال يزيد بن رومان‏:‏ في أذى المؤمنين وسبهم وتنقيص الشرع‏.‏ وقال قتادة‏:‏ في طلب العطاء من الغنيمة، والإلحاف في المسألة‏.‏ وقيل‏:‏ السلق في مخادعة المؤمنين بما يرضيهم من القول على جهة المصانعة والمجاملة‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏سلقوكم‏}‏، بالسين؛ وابن أبي عبلة‏:‏ بالصاد‏.‏ وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ أشحة بالرفع، أي هم أشحة؛ والجمهور‏:‏ بالنصب على الحال من ‏{‏سلقوكم‏}‏، وعلى الخبر يدل على عموم الشح في قوله أولاً‏:‏ ‏{‏أشحة عليكم‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ في هذا‏:‏ أشحة على مال الغنائم‏.‏ وقيل‏:‏ على مالهم الذي ينفقونه‏.‏ وقيل‏:‏ على الرسول بظفره‏.‏

‏{‏أولئك لم يؤمنوا‏}‏، إشارة إلى المنافقين‏:‏ أي لم يكن لهم قط إيمان‏.‏ والإحباط‏:‏ عدم قبول أعمالهم، فكانت كالمحبطة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ هل يثبت للمنافق عمل حتى يرد عليه الإحباط‏؟‏ قلت‏:‏ لا، ولكن تعليم لمن عسى يظن أن الإيمان باللسان إيمان، وإن لم يواطئه القلب؛ وأن ما يعمله المنافق من الأعمال يجزى عليه‏.‏ فبين أن إيمانه ليس بإيمان، وأن كل عمل يوجد منه باطل‏.‏ انتهى، وفي كلامه استعمال عسى صلة لمن، وهو لا يجوز‏.‏ وقال ابن زيد، عن أبيه‏:‏ نزلت في رجل بدري، نافق بعد ذلك ووقع في هذه المعاني، فأحبط الله عمله في بدر وغيرها‏.‏ وكان ذلك، أي الإحباط، أو حالهم من شحهم ونظرهم، يسيراً لا يبالى به، ولا له أثر في دفع خير، ولا عليه شر‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏على الله يسيراً‏}‏، معناه‏:‏ أن أعمالهم حقيقة بالإحباط، تدعو إليه الدواعي، ولا يصرف عنه صارف‏.‏ انتهى، وهي ألفاظ المعتزلة‏.‏

‏{‏يحسبون‏}‏ أنهم لم يرحلوا، ‏{‏وإن يأت الأحزاب‏}‏ كرة ثانية، تمنوا لخوفهم بما منوا به عند الكرة أنهم مقيمون في البدو مع الأعراب، وهم أهل العمود، يرحلون من قطر إلى قطر، يسألون من قدم من المدينة عما جرى عليكم من قتال الأحزاب، يتعرفون أحوالكم بالاستخبار، لا بالمشاهدة، فرقاً وجبناً، وغرضهم من البداوة أن يكونوا سالمين من القتال، ولو كانوا فيكم ولم يرجعوا إلى المدينة، وكان قتال لم يقاتلوا إلا قليلاً، لعلة ورياء وسمعة‏.‏

قال ابن السائب‏:‏ رمياً بالحجارة خاصة دون سائر أنواع القتال‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏بادون‏}‏، جمع سلامة لباد‏.‏ وقرأ عبد الله، وابن عباس، وابن يعمر، وطلحة‏:‏ بدى على وزن فعل، كفاز وغزى، وليس بقياس في معتل اللام، بل شبه بضارب، وقياسه فعلة، كقاض وقضاة‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ بدا فعلاً ماضياً؛ وفي رواية صاحب الإقليد‏:‏ بدى بوزن عدى‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يسألون‏}‏، مضارع سأل‏.‏ وحكى ابن عطية أن أبا عمرو وعاصماً والأعمش قرأوا‏:‏ يسالون، بغير همز، نحو قوله‏:‏ ‏{‏سل بني إسرائيل‏}‏ ولا يعرف ذلك عن أبي عمرو وعاصم، ولعل ذلك في شاذهما؛ ونقلهما صاحب اللوامح عن الحسن والأعمش‏.‏ وقرأ زيد بن علي، وقتادة، والجحدري، والحسن، ويعقوب بخلاف عنهما‏:‏ يسأل بعضهم بعضاً، أي يقول بعضهم لبعض‏:‏ ماذا سمعت وماذا بلغك‏؟‏ أو يتساءلون الأعراب، كما تقول‏:‏ تراءينا الهلال‏.‏ ثم سلى الله نبيه عنهم وحقر شأنهم بأن أخبر أنهم لو حضروا ما أغنوا وما قاتلوا إلا قتالاً قليلاً‏.‏ قال‏:‏ هو قليل من حيث هو رياء، ولو كان كثيراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 27‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ‏(‏21‏)‏ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ‏(‏22‏)‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ‏(‏23‏)‏ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏24‏)‏ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ‏(‏25‏)‏ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ‏(‏26‏)‏ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ‏(‏27‏)‏‏}‏

الظاهر أن الخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏لقد كان لكم‏}‏، للمؤمنين، لقوله قبل‏:‏ ‏{‏ولو كانوا فيكم‏}‏، وقوله بعد‏:‏ ‏{‏لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر‏}‏‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه، صلى الله عليه وسلم، لكم فيه الاقتداء‏.‏ فكما نصركم ووازركم حتى قاتل بنفسه عدوكم، فكسرت رباعيته الكريمة، وشج وجهه الكريم، وقتل عمر، وأوذي ضروباً من الإيذاء؛ يجب عليكم أن تنصروه وتوازروه، ولا ترغبوا بأنفسكم عن نفسه، ولا عن مكان هو فيه، وتبذلوا أنفسكم دونه؛ فما حصل لكم من الهداية للإسلام أعظم من كل ما تفعلونه معه، صلى الله عليه وسلم، من النصرة والجهاد في سبيل الله، ويبعد قول من قال‏:‏ إن خطاب للمنافقين‏.‏ ‏{‏واليوم الآخر‏}‏‏:‏ يوم القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ يوم السياق‏.‏ و‏{‏أسوة‏}‏‏:‏ اسم كان، و‏{‏لكم‏}‏‏:‏ الخبر، ويتعلق ‏{‏في رسول الله‏}‏ بما يتعلق به ‏{‏لكم‏}‏، أو يكون في موضع الحال، لأنه لو تأخر جاز أن يكون نعتاً بعد لأسوة، أو يتعلق بكان على مذهب من أجاز في كان وأخواتها الناقصة أن تعمل في الظرف والمجرور، ويجوز أن يكون ‏{‏في رسول الله‏}‏ الخبر، ولكم تبيين، أي لكم، أعني‏:‏ ‏{‏لمن كان يرجوا الله‏}‏‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ بدل من لكم، كقوله‏:‏ ‏{‏للذين استضعفوا لمن آمن منهم‏}‏ انتهى‏.‏ ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم، ولا من ضمير المخاطب، اسم ظاهر في بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش، ويدل عليه قول الشاعر‏:‏

بكم قريش كفينا كل معضلة *** وأمّ نهج الهدى من كان ضليلاً

وقرأ الجمهور‏:‏ إسوة بكسر الهمزة؛ وعاصم بضمها‏.‏ والرجاء‏:‏ بمعنى الأمل أو الخوف‏.‏ وقرن الرجاء بذكر الله، والمؤتسي برسول الله، هو الذي يكون راجياً ذاكراً‏.‏ ولما بين تعالى المنافقين وقولهم‏:‏ ‏{‏ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً‏}‏، بين حال المؤمنين، وقولهم صدَّ ما قال المنافقون‏.‏ وكان الله وعدهم أن يزلزلهم حتى يستنصروه في قوله‏:‏ ‏{‏أم حسبتم أن تدخلوا الجنة‏}‏ الآية‏.‏ فلما جاء الأحزاب، ونهض بهم للقتال، واضطربوا، ‏{‏قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله‏}‏، وأيقنوا بالجنة والنصر‏.‏ وعن ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وسلم، لأصحابه‏:‏ «إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً»، أي في آخر تسع ليال أو عشر‏.‏ فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ الوعد هو ما جاء في الآية مما وعده عليه السلام حين أمر بحفر الخندق، فإنه أعلمهم بأنهم يحضرون، وأمرهم بالاستعداد لذلك، وأعلمهم أنهم سينصرون بعد ذلك‏.‏ فلما رأوا الأحزاب قالوا ذلك، فسلموا الأول الأمر، وانتظروا آخره‏.‏ وهذا إشارة إلى الخطب، إيماناً بالله وبما أخبر به الرسول مما لم يقع، كقولك‏:‏ فتح مكة وفارس والروم، فالزيادة فيما يؤمن، لا في نفس الإيمان‏.‏

وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ وما زادوهم، بالواو، وضمير الجمع يعود على الأحزاب، وتقول‏:‏ صدقت زيداً الحديث، وصدقت زيداً في الحديث‏.‏ وقد عدت صدق هذه في ما يتعدى بحرف الجر، وأصله ذلك، ثم يتسع فيه فيحذف الحرف ويصل الفعل إليه بنفسه، ومنه قولهم في المثل‏:‏ صدقني سن بكره، أي في سن بكره‏.‏ فما عاهدوا، إما أن يكون على إسقاط الحرف، أي فيما عاهدوا، والمفعول الأول محذوف، والتقدير‏:‏ صدقوا الله، وإما أن يكون صدق يتعدى إلى واحد، كما تقول‏:‏ صدقني أخوك إذا قال لك الصدق، وكذبك أخوك إذا قال لك الكذب‏.‏ وكان المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً، كأنهم قالوا للمعاهد عليه‏:‏ سنفي لك، وهم وافون به، فقد صدقوه، ولو كانوا ناكثين لكذبوه، وكان مكذوباً‏.‏ وهؤلاء الرجال، قال مقاتل والكلبي‏:‏ هم أهل العقبة السبعون، أهل البيعة‏.‏ وقال أنس‏:‏ نزلت في قوم لم يشهدوا بدراً، فعاهدوا أن لا يتأخروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوفوا‏.‏ وقال زيد بن رومان‏:‏ بنو حارثة‏.‏

‏{‏فمنهم من قضى نحبه‏}‏، وهذا تجوز، لأن الموت أمر لا بد منه أن يقع بالإنسان، فسمي نحباً لذلك‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ قضى نحبه‏:‏ أي عهده‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ نذره‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏فمنهم من قضى نحبه‏}‏، يحتمل موته شهيداً، ويحتمل وفاءه بنذره من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ الموصوفون بقضاء النحب جماعة من الصحابة وفوا بعهود الإسلام على التمام‏.‏ فالشهداء منهم، والعشرة الذين شهد لهم الرسول بالجنة، منهم من حصل في هذه المرتبة بما لم ينص عليه، ويصحح هذا القول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقد سئل من الذي قضى نحبه وهو على المنبر‏؟‏ فدخل طلحة بن عبيد الله فقال‏:‏ هذا ممن قضى نحبه‏.‏ ‏{‏ومنهم من ينتظر‏}‏‏:‏ إذا فسر قضاء النحب بالشهادة، كان التقدير‏:‏ ومنهم من ينتظر الشهادة؛ وإذا فسر بالوفاء لعهود الإسلام، كان التقدير‏:‏ ومنهم من ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ينتظر يوماً فيه جهاد، فيقضي نحبه‏.‏ ‏{‏وما بدلوا‏}‏‏:‏ لا المستشهدون، ولا من ينتظر‏.‏ وقد ثبت طلحة يوم أحد حتى أصيبت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أوجب طلحة»، وفيه تعريض لمن بدل من المنافقين حين ولوا الأدبار، وكانوا عاهدوا لا يولون الأدبار‏.‏

‏{‏ليجزي الله الصادقين‏}‏‏:‏ أي الذين ‏{‏صدقوا ما عاهدوا الله عليه‏}‏، ‏{‏بصدقهم‏}‏‏:‏ أي بسبب صدقهم‏.‏ ‏{‏ويعذب المنافقين إن شاء‏}‏، وعذابهم متحتم‏.‏ فكيف يصح تعليقه على المشيئة، وهو قد شاء تعذيبهم إذا وفوا على النفاق‏؟‏ فقال ابن عطية‏:‏ تعذيب المنافقين ثمرته إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والتوبة موازية لتلك الإقامة، وثمرة التوبة تركهم دون عذاب‏.‏ فهما درجتان‏:‏ إقامة على نفاق، أو توبة منه‏.‏

وعنهما ثمرتان‏:‏ تعذيب، أو رحمة‏.‏ فذكر تعالى، على جهة الإيجاز، واحدة من هاتين، وواحدة من هاتين‏.‏ ودل ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدلك على أن معنى قوله‏:‏ ‏{‏ليعذب‏}‏، أي‏:‏ ليديم على النفاق، قوله‏:‏ ‏{‏إن شاء‏}‏، ومعادلته بالتوبة، وحذف أو‏.‏ أنتهى‏.‏ وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير‏:‏ ليقيموا على النفاق، فيموتوا عليه، إن شاء فيعذبهم، أو يتوب عليهم فيرحمهم‏.‏ فحذف سبب التعذيب، وأثبت المسبب، وهو التعذيب‏.‏ وأثبت سبب الرحمة والغفران، وحذف المسبب، وهو الرحمة والغفران، وهذا من الإيجاز الحسن‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ويعذيهم إن شاء إذا لم يتوبوا، ويتوب عليهم إذا تابوا‏.‏ انتهى‏.‏ ولا يجوز تعليق عذابهم إذا لم يتوبوا بمشيئته تعالى، لأنه تعالى قد شاء ذلك وأخبر أنه يعذب المنافقين حتماً لا محالة‏.‏ واللام في ‏{‏ليجزي‏}‏، قيل‏:‏ لام الصيرورة؛ وقيل‏:‏ لام التعليل، ويتعلق بقوله‏:‏ ‏{‏وما بدلوا تبديلاً‏}‏‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم، لأن كلا الفريقين مسوق إلى عاقبة من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلهما‏.‏ وقال السدي‏:‏ المعنى‏:‏ إن شاء يميتهم على نفاقهم، أو يتوب عليهم بفعلهم من النفاق بتقبلهم الإيمان‏.‏ وقيل‏:‏ يعذبهم في الدنيا إن شاء، ويتوب عليهم إن شاء‏.‏ ‏{‏إن الله كان غفوراً رحيماً‏}‏‏:‏ غفوراً للحوية، رحيماً بقبول التوبة‏.‏

‏{‏ورد الله الذين كفروا‏}‏ الأحزاب عن المدينة، والمؤمنين إلى بلادهم‏.‏ ‏{‏بغيظهم‏}‏‏:‏ فهو حال، والباء للمصاحبة؛ و‏{‏لم ينالوا‏}‏‏:‏ حال ثانية، أو من الضمير في بغيظهم، فيكون حالاً متداخلة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ويجوز أن تكون الثانية بياناً للأولى، أو استئنافاً‏.‏ انتهى‏.‏ ولا يظهر كونها بياناً للأولى، ولا للاستئناف، لأنها تبقى كالمفلتة مما قبلها‏.‏ ‏{‏وكفى الله المؤمنين القتال‏}‏، بإرسال الريح والجنود، وهم الملائكة، فلم يكن قتال بين المؤمنين والكفار‏.‏ وقيل‏:‏ المراد علي بن أبي طالب ومن معه، برزوا للقتال ودعوا إليه‏.‏ وقتل علي من الكفار عمرو بن عبيد مبارزة، حين طلب عمرو المبارزة، فخرج إليه علي، فقال‏:‏ إني لا أوثر قتلك لصحبتي لأبيك، فقال له علي‏:‏ فأنا أوثر قتلك، فقتله علي مبارزة‏.‏ واقتحم نوفل بن الحارث، من قريش، الخندق بفرسه، فقتل فيه‏.‏ وقتل من الكفار أيضاً‏:‏ منبه بن عثمان، وعبيد بن السباق‏.‏ واستشهد من المسلمين، في غزوة الخندق‏:‏ معاذ، وأنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهل، وأبو عمرو، وهم من بني عبد الأشهل؛ والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمه، وهما من بني سلمة؛ وكعب بن زيد، من بني ذبيان بن النجار، أصابه سهم غرب فقتله‏.‏ ولم تغز قريش المسلمين بعد الخندق، وكفى الله مداومة القتال وعودته بأن هزمهم بعد ذلك، وذلك بقوته وعزته‏.‏ وعن أبي سعيد الخدري‏:‏ حبسنا يوم الخندق، فلم نصل الظهر، ولا العصر، ولا المغرب، ولا العشاء، حتى كان بعد هوي من الليل، كفينا وأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وكفى الله المؤمنين القتال‏}‏، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلالاً، فأقام وصلى الظهر فأحسنها، ثم كذلك كل صلاة بإقامة‏.‏

‏{‏وأنزل الذين ظاهروهم‏}‏‏:‏ أي أعانوا قريشاً ومن معهم من الأحزاب من أهل الكتاب، هم يهود بني قريظة، كما هو قول الجمهور‏.‏ وعن الحسن‏:‏ بنو النضير‏.‏ وقذف الرعب سبب لإنزالهم، ولكنه قدم المسبب، لما كان السرور بإنزالهم أكثر والإخبار به أهم قدم‏.‏ وقال رجل‏:‏ يا رسول الله، مر بنا دحية الكلبي على بغلة بيضاء عليهم قطيفة ديباج، فقال‏:‏ «ذلك جبريل، عليه السلام، بعث إلى بني قريظة، يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم» ولما رجعت الأحزاب، جاء جبريل وقت الظهر فقال‏:‏ إن الله يأمرك بالخروج إلى بني قريظة‏.‏ فنادى في الناس‏:‏ «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فخرجوا إليها، فمصل في الطريق، ورأى أن ذلك خرج مخرج التأكيد والاستعجال؛ ومصل بعد العشاء، وكل مصيب‏.‏ فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، وقيل‏:‏ إحدى وعشرين، وقيل‏:‏ خمسة عشر‏.‏ فنزلوا على حكم سعد بن معاذ الأوسي، لحلف كان بينهم، رجوا حنوه عليهم، فحكم أن يقتل المقاتلة ويسبي الذرية والعيال والأموال، وأن تكون الأرض والثمار للمهاجرين دون الأنصار‏.‏ فقالت له الأنصار في ذلك، فقال‏:‏ أردت أن يكون لهم أموال كما لكم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرفعة»، ثم استنزلهم، وخندق لهم في سوق المدينة، وقدمهم فضرب أعناقهم، وهم من بين ثمانمائة إلى تسعمائة‏.‏ وقيل‏:‏ كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير‏.‏ وجيء يحيي بن أخطب النضيري، وهو الذي كان أدخلهم في الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عندهم وفاء لهم، فترك فيمن ترك على حكم سعد‏.‏ فلما قرب، وعليه حلتان تفاحيتان، مجموعة يداه إلى عنقه، أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يا محمد‏!‏ والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكن من يخذل الله يخذل‏.‏ ثم قال‏:‏ أيها الناس، إنه لا بأس أمر الله وقدره، ومحنة كتبت على بني إسرائيل، ثم تقدم فضربت عنقه‏.‏ وقال فيه بعض بني ثعلبة‏:‏

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه *** ولكنه من يخذل الله يخذل

لا جهد حتى أبلغ النفس عذرها *** وقلقل يبغي الغد كل مقلقل

وقتل من نسائهم امرأة، وهي لبابة امرأة الحكم القرظي، كانت قد طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتل؛ ولم يستشهد في حصار بني قريظة غيره‏.‏ ومات في الحصار أبو سفيان بن محصن، أخو عكاشة بن محصن، وكان فتح قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ وتأسرون، بتاء الخطاب وكسر السين؛ وأبو حيوة‏:‏ بضمها؛ واليماني‏:‏ بياء الغيبة؛ وابن أنس، عن ابن ذكوان‏:‏ بياء الغيبة في‏:‏ ‏{‏تقتلون وتأسرون‏}‏‏.‏ ‏{‏وأورثكم‏}‏‏:‏ فيه إشعار أنه انتقل إليهم ذلك بعد موت أولئك المقتولين ومن نقلهم من أرضهم، وقدمت لكثرة المنفعة بها من النخل والزرع، ولأنهم باستيلائهم عليها ثانياً وأموالهم ليستعان بها في قوة المسلمين للجهاد، ولأنها كانت في بيوتهم، فوقع الاستيلاء عليها ثالثاً‏.‏ ‏{‏وأرضاً لم تطؤها‏}‏‏:‏ وعد صادق في فتح البلاد، كالعراق والشام واليمن ومكة، وسائر فتوح المسلمين‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ أخبر تعالى أن قد قضى بذلك‏.‏ وقال الحسن‏:‏ أراد الروم وفارس‏.‏ وقال قتادة‏:‏ كنا نتحدث أنها مكة‏.‏ وقال مقاتل، ويزيد بن رومان، وابن زيد‏:‏ هي خيبر؛ وقيل‏:‏ اليمن؛ ولا وجه لهذه التخصيصات، ومن بدع التفاسير أنه أراد نساءهم‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ تطؤوها، بهمزة مضمومة بعدها واو‏.‏ وقرأ زيد بن علي‏:‏ لم تطوها، بحذف الهمزة، أبدل همزة تطأ ألفاً على حد قوله‏:‏

إن السباع لتهدا في مرابضها *** والناس لا يهتدى من شرهم أبدا

فالتقت ساكنة مع الواو فحذفت، كقولك‏:‏ لم تروها‏.‏ وختم تعالى‏:‏ هذه الآية بقدرته على كل شيء، فلا يعجزه شيء، وكان في ذلك إشارة إلى فتحه على المسلمين الفتوح الكثيرة، وأنه لا يستبعد ذلك، فكما ملكهم هذه، فكذلك هو قادر على أن يملكهم غيرها من البلاد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 35‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ‏(‏28‏)‏ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏29‏)‏ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏30‏)‏ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ‏(‏31‏)‏ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ‏(‏32‏)‏ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ‏(‏33‏)‏ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ‏(‏34‏)‏ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏35‏)‏‏}‏

سبب نزولها أن أزواجه، صلى الله عليه وسلم، تغايرن وأردن زيادة في كسوة ونفقة، فنزلت‏.‏ ولما نصر الله نبيه وفرق عنه الأحزاب وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن‏:‏ يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلى والحلل والإماء والخول، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق‏.‏ وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملهن بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن؛ وأزواجه إذ ذاك تسع‏:‏ عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سملة بنت أبي أمية، وهؤلاء من قريش‏.‏ ومن غير قريش‏:‏ ميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية‏.‏

وقال أبو القاسم الصيرفي‏:‏ لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة، فاختار الآخرة، وأمر بتخيير نسائه ليظهر صدق موافقتهن، وكان تحته عشر نساء، زاد الحميرية، فاخترن الله ورسوله إلا الحميرية‏.‏ وروي أنه قال لعائشة، وبدأ بها، وكانت أحبهن إليه‏:‏ «إن ذاكر لك أمراً، ولا عليك أن لا تعجلي فيه تستأمري أبويك» ثم قرأ عليها القرآن، فقالت‏:‏ أفي هذا أستأمر أبوي‏؟‏ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، لا تخبر أزواجك أني اخترتك، فقال‏:‏ «إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً» والظاهر أنهن إذا اخترن الحياة الدنيا وزينتها، متعهن رسول الله وطلقهن، وأنه ليس باختيارهن ذلك يقع الفراق دون أن يوقعه هو‏.‏ وقال الأكثرون‏:‏ هي آية تخيير، فإذا قال لها‏:‏ اختاري، فاختارت زوجها، لم يكن ذلك طلاقاً‏.‏ وعن علي‏:‏ تكون واحدة رجعية، وإن اختارت نفسها، وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول علي؛ وواحدة رجعية عند الشافعي، وهو قول عمر وابن مسعود؛ وثلاث عند مالك‏.‏ وأكثر الناس ذهبوا إلى أن الآية في التخيير والطلاق، وهو قول علي والحسن وقتادة، قال هذا القائل‏.‏ وأما أمر الطلاق فمرجأ، فإن اخترن أنفسهن، نظر هو كيف يسرحهن، وليس فيها تخيير في الطلاق، لأن التخيير يتضمن ثلاث تطليقات، وهو قد قال‏:‏ ‏{‏وأسرحكن سراحاً جميلاً‏}‏، وليس مع بت الطلاق سراح جميل‏.‏ انتهى‏.‏

والذي يدل عليه ظاهر الآية هو ما ذكرناه أولاً من أنه علق على إرادتهن زينة الحياة الدنيا وقوع التمتيع والتسريح منه، والمعنى في الآية‏:‏ أنه كان عظيم همكن ومطلبكن التعمق في الدنيا ونيل نعيمها وزينتها‏.‏

وتقدم الكلام في‏:‏ ‏{‏فتعالين‏}‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم‏}‏ في آل عمران‏.‏ ‏{‏أمتعكن‏}‏، قيل‏:‏ المتعة واجبة في الطلاق؛ وقيل‏:‏ مندوب إليها‏.‏

والأمر في قوله‏:‏ ‏{‏ومتعوهن‏}‏ يقتضي الوجوب في مذهب الفقهاء، وتقدم الكلام في ذلك، وفي تفصيل المذاهب في البقرة‏.‏ والتسريح الجميل إما في دون البيت، أو جميل الثناء، والمعتقد وحسن العشرة إن كان تاماً‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏أمتعكن‏}‏، بالتشديد من متع؛ وزيد بن علي‏:‏ بالتخفيف من أمتع، ومعنى ‏{‏أعد‏}‏‏:‏ هيأ ويسر، وأوقع الظاهر موقع المضمر تنبيهاً على الوصف الذي ترتب لهن به الأجر العظيم، وهو الإحسان، كأنه قال‏:‏ أعدلكن، لأن من أراد الله ورسوله والدار الآخرة كان محسناً‏.‏ وقراءة حميد الخراز‏:‏ ‏{‏أمتعكن وأسرحكن‏}‏، بالرفع على الاستئناف؛ والجمهور‏:‏ بالجزم على جواب الأمر، أو على جواب الشرط، ويكون ‏{‏فتعالين‏}‏ جملة اعتراض بين الشرط وجزائه، ولا يضر دخول الفاء على جملة الاعتراض، ومثل ذلك قول الشاعر‏:‏

واعلم فعلم المرء ينفعه *** إن سوف يأتي كل ما قدرا

ثم نادى نساء النبي، ليجعلن بالهن مما يخاطبن به، إذا كان أمراً يجعل له البال‏.‏ وقرأ زيد بن علي، والجحدري، وعمرو بن فائد الأسواري، ويعقوب‏:‏ تأت، بتاء التأنيث، حملاً على معنى من؛ والجمهور‏:‏ بالياء، حملاً على لفظ من‏.‏ ‏{‏بفاحشة مبينة‏}‏‏:‏ كبيرة من المعاصي، ولا يتوهم أنها الزنا، لعصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ذلك، ولأنه وصفها بالتبيين والزنا مما يتستر به، وينبغي أن تحمل الفاحشة على عقوق الزوج وفساد عشرته‏.‏ ولما كان مكانهن مهبط الوحي من الأوامر والنواهي، لزمهن بسبب ذلك‏.‏ وكونهن تحت الرسول أكثر مما يلزم غيرهن، فضوعف لهن الأجر والعذاب‏.‏ وقرأ نافع، وحمزة، وعاصم، والكسائي‏:‏ ‏{‏يضاعف‏}‏، بألف وفتح العين؛ والحسن، وعيسى، وأبو عمرو‏:‏ بالتشديد وفتح العين؛ والجحدري، وابن كثير، وأبو عامر‏:‏ بالنون وشد العين مكسورة؛ وزيد بن علي، وابن محيصن، وخارجة، عن أبي عمرو‏:‏ بالألف والنون والكسر؛ وفرقة‏:‏ بياء الغيبة والألف والكسر‏.‏ ومن فتح العين رفع ‏{‏العذاب‏}‏، ومن كسرها نصبه‏.‏ ‏{‏ضعفين‏}‏‏:‏ أي عذابين، فيضاف إلى عذاب سائر الناس عذاب آخر‏.‏ وقال أبو عبيدة، وأبو عمرو فيما حكى الطبري عنهما‏:‏ إنه يضاف إلى العذاب عذابان، فتكون ثلاثة‏.‏ وكون الأجر مرتين بعد هذا القول، لأن العذاب في الفاحشة بإزاء الأجر في الطاعة‏.‏ ‏{‏وكان ذلك‏}‏‏:‏ أي تضعيف العذاب عليهن، ‏{‏على الله يسيراً‏}‏‏:‏ أي سهلاً، وفيه إعلام بأن كونهن نساء، مع مقارفة الذنب، لا يغني عنهن شيئاً، وهو يغني عنهن، وهو سبب مضاعفة العذاب‏.‏

‏{‏ومن يقنت‏}‏‏:‏ أي يطع ويخضع بالعبودية لله، وبالموافقة لرسوله‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ومن يقنت بالمذكر، حملاً على لفظ من، وتعمل بالتاء حملاً على المعنى‏.‏ ‏{‏نؤتها‏}‏‏:‏ بنون العظمة‏.‏ وقرأ الجحدري، والأسواري، ويعقوب، في رواية‏:‏ ومن تقنت بتاء التأنيث، حملاً على المعنى، وبها قرأ ابن عامر في رواية، ورواها أبو حاتم عن أبي جعفر وشيبة ونافع‏.‏ وقال ابن خالويه‏:‏ ما سمعت أن أحداً قرأ‏:‏ ومن يقنت، إلا بالتاء‏.‏

وقرأ السلمي، وابن وثاب، وحمزة، والكسائي‏:‏ بياء من تحت في ثلاثتها‏.‏ وذكر أبو البقاء أن بعضهم قرأ‏:‏ ومن يقنت بالياء، حملاً على المعنى، ويعمل بالياء حملاً على لفظ من قال؛ فقال بعض النحويين‏:‏ هذا ضعيف، لأن التذكير أصل لا يجعل تبعاً للتأنيث، وما عللوه به قد جاء مثله في القرآن، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا‏}‏ انتهى‏.‏ وتقدم الكلام على ‏{‏خالصة‏}‏ في الأنعام‏.‏ والرزق الكريم‏:‏ الجنة‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ويجوز أن يكون في ذلك وعد دنياوي، أي أن أرزاقها في الدنيا على الله، وهو كريم من حيث هو حلال وقصد، وبرضا من الله في نيله‏.‏ وقال بعض المفسرين‏:‏ العذاب الذي توعد به ضعفين هو عذاب الدنيا، ثم عذاب الآخرة؛ وكذلك الأجر، وهو ضعيف‏.‏ انتهى‏.‏ وإنما ضوعف أجرهن لطلبهن رضا رسول الله، بحسن الخلق وطيب المعاشرة والقناعة والتوقر على عبادة الله

‏.‏ ‏{‏يا نساء النبي لستن كأحد من النساء‏}‏‏:‏ أي ليس كل واحدة منكن كشخص واحد من النساء، أي من نساء عصرك‏.‏ وليس النفي منصباً على التشبيه في كونهن نسوة‏.‏ تقول‏:‏ ليس زيد كآحاد الناس، لا تريد نفي التشبيه عن كونه إنساناً، بل في وصف أخص موجود فيه، وهو كونه عالماً، أو عاملاً، أو مصلياً‏.‏ فالمعنى‏:‏ أنه يوجد فيكن من التمييز ما لا يوجد في غيركن، وهو كونكن أمهات المؤمنين وزوجات خير المرسلين‏.‏ ونزل القرآن فيكن، فكما أنه عليه السلام ليس كأحد من الرجال، كما قال عليه السلام‏:‏ «لست كأحدكم»، كذلك زوجاته اللاتي تشرفن به‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أحد في الأصل بمعنى وحد، وهو الواحد؛ ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه، والمعنى‏:‏ لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء، أي إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة، لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة، ومنه قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم‏}‏ يريد بين جماعة واحدة منهم، تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين‏.‏ انتهى‏.‏ أما قوله‏:‏ أحد في الأصل بمعنى‏:‏ وحد، وهو الواحد فصحيح‏.‏ وأما قوله‏:‏ ثم وضع، إلى قوله‏:‏ وما وراءه، فليس بصحيح، لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحداً، لأن واحد ينطلق على كل شيء اتصف بالوحدة، وأحد المستعمل في النفي العام مخصوص بمن يعقل‏.‏ وذكر النحويون أن مادته همزة وحاء ودال، ومادة أحد بمعنى وحد أصله واو وحاء ودال، فقد اختلفا مادة ومدلولاً‏.‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏لستن‏}‏ كجماعة واحدة، فقد قلنا‏:‏ إن قوله ‏{‏لستن‏}‏ معناه‏:‏ ليست كل واحدة منكن، فهو حكم على كل واحدة واحدة، ليس حكماً على المجموع من حيث هو مجموع‏.‏ وقلنا‏:‏ إن معنى كأحد‏:‏ كشخص واحد، فأبقينا أحداً على موضوعه من التذكير، ولم نتأوله بجماعة واحدة‏.‏

وأما ‏{‏ولم يفرقوا بين أحد منهم‏}‏ فاحتمل أن يكون الذي للنفي العام، ولذلك جاء في سياق النفي، فعم وصلحت البينية للعموم‏.‏ واحتمل أن يكون أحد بمعنى واحد، ويكون قد حذف معطوف، أي بين واحد وواحد من رسله، كما قال الشاعر‏:‏

فما كان بين الخير لوجا سالماً *** أبو حجر إلا ليال قلائل

أي‏:‏ لستن مثلهن إن اتقيتن الله، وذلك لما انضاف مع تقوى الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه، ونزول القرآن في بيتهن وفي حقهن‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏إن اتقيتن‏}‏‏:‏ إن أردتن التقوى، وإن كن متقيات‏.‏ ‏{‏فلا تخضعن بالقول‏}‏‏:‏ فلا تجبن بقولكنّ خاضعاً، أي ليناً خنثاً، مثل كلام المريبات والمومسات‏.‏ ‏{‏فيطمع الذي في قلبه مرض‏}‏‏:‏ أي ريبة وفجوراً‏.‏ انتهى‏.‏ فعلى القول الأول يكون ‏{‏إن اتقيتن‏}‏ قيداً في كونهن لسن كأحد من النساء، ويكون جواب الشرط محذوفاً‏.‏ وعلى ما قاله الزمخشري، يكون ‏{‏إن اتقيتن‏}‏ ابتداء شرط، وجوابه ‏{‏فلا تخضعن‏}‏، وكلا القولين فيهما حمل‏.‏ ‏{‏إن اتقيتن‏}‏ على تقوى الله تعالى، وهو ظاهر الاستعمال، وعندي أنه محمول على أن معناه‏:‏ إن استقبلتن أحداً، ‏{‏فلا تخضعن‏}‏‏.‏ واتقى بمعنى‏:‏ استقبل معروف في اللغة، قال النابغة‏:‏

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه *** فتناولته واتقتنا باليد

أي‏:‏ استقبلتنا باليد، ويكون هذا المعنى أبلغ في مدحهن، إذ لم يعلق فضيلتهن على التقوى، ولا علق نهيهن عن الخضوع بها، إذ هن متقيات لله في أنفسهن، والتعليق يقتضي ظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لا ترخصن بالقول‏.‏ وقال الحسن‏:‏ لا تكلمن بالرفث‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ لا تكلمن بما يهوى المريب‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ الخضوع بالقول ما يدخل في القلب الغزل‏.‏ وقيل‏:‏ لا تلن للرجال القول‏.‏ أمر تعالى أن يكون الكلام خيراً، لا على وجه يظهر في القلب علاقة ما يظهر عليه من اللين، كما كان الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال برخيم الصوت ولينه، مثل كلام المومسات، فنهاهن عن ذلك، وقال الشاعر‏:‏

يتكلم لو تستطيع كلامه *** لانت له أروى الهضاب الصخر

وقال آخر‏:‏

لو أنها عرضت لأشمط راهب *** عبد الإله ضرورة المتعبد

لرنا لرؤيتها وحسن حديثها *** ولحالها رشداً وإن لم يرشد

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فيطمع‏}‏، بفتح الميم ونصب العين، جواباً للنهي؛ وأبان بن عثمان، وابن هرمز‏:‏ بالجزم، فكسرت العين لالتقاء الساكنين، نهين عن الخضوع بالقول، ونهى مريض القلب عن الطمع، كأنه قيل‏:‏ لا تخضع فلا تطمع‏.‏ وقراءة النصب أبلغ، لأنها تقتضي الخضوع بسبب الطمع‏.‏ وقال أبو عمرو الداني‏:‏ قرأ الأعرج وعيسى‏:‏ فيَطمِع، بفتح الياء وكسر الميم‏.‏ ونقلها ابن خالويه عن أبي السماء، قال‏:‏ وقد روي عن ابن محيصن، وذكر أن الأعرج، وهو ابن هرمز، قرأ‏:‏ فيُطمِعَ، بضم الياء وفتح العين وكسر الميم، أي فيطمع هو، أي الخضوع بالقول؛ والذي مفعول، أو الذي فاعل والمفعول محذوف، أي فيطمع نفسه‏.‏

والمرض، قال قتادة‏:‏ النفاق؛ وقال عكرمة‏:‏ الفسق والغزل‏.‏ ‏{‏وقلن قولاً معروفاً‏}‏‏:‏ والمحرم، وهو الذي لا تنكره الشريعة ولا العقول‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ المرأة تندب إذا خالطت الأجانب، عليها بالمصاهرة إلى الغلظة في القول من غير رفع الصوت، فإنها مأمورة بخفض الكلام‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ معروفاً صحيحاً، بلا هجر ولا تمريض‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ عنيفاً؛ وقيل‏:‏ خشناً حسناً؛ وقيل‏:‏ معروفاً، أي قولاً أُذن لكم فيه؛ وقيل‏:‏ ذكر الله وما يحتاج إليه من الكلام‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ وقِرن، بكسر القاف، من وقر يقر إذا سكن وأصله، أوقرن، مثل عدن من وعد‏.‏ وذكر أبو الفتح الهمداني، في كتاب التبيان، وجهاً آخر قال‏:‏ قار يقار، إذا اجتمع، ومنه القارة لاجتماعها‏.‏ ألا ترى إلى قول عضل والديش‏:‏ اجتمعوا فكونوا قارة‏؟‏ فالمعنى‏:‏ اجمعن أنفسكن في بيوتكن‏.‏ ‏{‏وقرن‏}‏‏:‏ أمر من قار، كما تقول‏:‏ خفن من خاف؛ أو من القرار، تقول‏:‏ قررت بالمكان، وأصله‏:‏ واقررت، حذفت الراء الثانية تخفيفاً، كما حذفوا لام ظللت، ثم نقلت حركتها إلى القاف فذهبت ألف الوصل‏.‏ وقال أبو علي‏:‏ أبدلت الراء ونقلت حركتها إلى القاف، ثم حذفت الياء لسكوتها وسكون الراء بعدها‏.‏ انتهى، وهذا غاية في التحميل كعادته‏.‏ وقرأ عاصم ونافع‏:‏ بفتح القاف، وهي لغة العرب؛ يقولون‏:‏ قررت بالمكان، بكسر الراء وبفتح القاف، حكاه أبو عبيد والزجاج وغيرهما، وأنكرها قوم، منهم المازني، وقالوا‏:‏ بكسر الراء، من قرت العين، وبفتحها من القرار‏.‏ وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ واقررن، بألف الوصل وكسر الراء الأولى‏.‏ وتقدم لنا الكلام على قررت، وأنه بالفتح والكسر من القرار ومن القرة‏.‏ أمرهن تعالى بملازمة بيوتهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلم تعالى أنه فعل الجاهلية الأولى، وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية بكت حتى تبل خمارها، تتذكر خروجها أيام الجمل تطلب بدم عثمان‏.‏ وقيل لسودة‏:‏ لم لا تحجين وتعتمرين كما يفعل إخوانك‏؟‏ فقالت‏:‏ قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقر في بيتي، فما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها‏.‏

‏{‏ولا تبرجن‏}‏، قال مجاهد وقتادة‏:‏ التبرج‏:‏ التبختر والتغنج والتكسر‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ تلقي الخمار على وجهها ولا تشده‏.‏ وقال المبرد‏:‏ تبدي من محاسنها ما يجب عليها ستره‏.‏ و‏{‏الجاهلية الأولى‏}‏‏:‏ يدل على أن ثم جاهلية متقدمة وأخرى متأخرة‏.‏ فقيل‏:‏ هما ابنان لآدم، سكن أحدهما الجبل، فذكور أولاده صباح وإناثهم قباح؛ والآخر السهل، وأولاده على عكس ذلك‏.‏ فسوى لهم إبليس عيداً يجتمع جميعهم فيه، فمال ذكور الجبل إلى إناث السهل وبالعكس، فكثرت الفاحشة، فهو تبرج الجاهلية الأولى‏.‏ وقال عكرمة والحكم بن عيينة‏:‏ ما بين آدم ونوح، وهي ثمانمائة سنة، كان الرجال صباحاً والنساء قباحاً، فكانت المرأة تدعو الرجل إلى نفسها‏.‏

وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ الجاهلية الأولى ما بين إدريس ونوح، كانت ألف سنة، تجمع المرآة بين زوج وعشيق‏.‏ وقال الكلبي وغيره‏:‏ ما بين نوح وإبراهيم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ زمن نمروذ، بغايا يلبسن أرق الدروع ويمشين في الطرق‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ والجاهلية الأولى هي القديمة التي يقال لها الجاهلية الجهلاء، وهي الزمان الذي ولد فيه إبراهيم‏.‏ كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ، فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال‏.‏ وقال أبو العالية‏:‏ من داود وسليمان، كان للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين، يظهر منه الأكعاب والسوأتان‏.‏ وقال المبرد‏:‏ كانت المرأة تجمع بين زوجها وحلمها، للزوج نصفها الأسفل، وللحلم نصفها، يتمتع به في التقبيل والترشف‏.‏ وقيل‏:‏ ما بين موسى وعيس‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ ما بين عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ الأولى زمن إبراهيم، والثانية زمن محمد، عليه الصلاة والسلام، قبل أن يبعث‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ الأشبه قول الشعبي، لأنهم هم الجاهلية المعروفون، كانوا يتخذون البغايا‏.‏ وإنما قيل الأولى، لأنه يقال لكل متقدم ومتقدمة أول وأولى، وتأويله أنهم تقدموا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهم أولى، وهم أول من أمة محمد، عليه الصلاة والسلام‏.‏ وقال عمر لابن عباس‏:‏ وهل كانت الجاهلية إلا واحدة‏؟‏ فقال ابن عباس‏:‏ وهل كانت الأولى إلا ولها آخرة‏؟‏ فقال عمر‏:‏ لله درك يا ابن عباس‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام‏.‏ ويجوز أن يكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام، فكان المعنى‏:‏ ولا يجدكن بالتبرج جاهلية في الإسلام يتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر‏.‏ ويعضده ما روي ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لأبي الدرداء‏:‏ «إن فيك جاهلية»، قال‏:‏ جاهلية كفر أم إسلام‏؟‏ فقال‏:‏ «بل جاهلية كفر» ‏"‏ انتهى‏.‏ والمعروف في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام إنما قال‏:‏ ‏"‏ إنك امرؤ فيك جاهلية ‏"‏، لأبي ذر، رضي الله عنه‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي خصها، فأمرن بالنقلة من سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفر، ولأنهم كانوا لا غيرة عندهم، وكان أمر النساء دون حجبة، وجعلها أولى بالإضافة إلى حالة الإسلام، وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى‏.‏ وقد مر إطلاق اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبل الإسلام، فقالوا‏:‏ جاهلي في الشعراء‏.‏ وقال ابن عباس في البخاري‏:‏ سمعت، أي في الجاهلية إلى غير هذا‏.‏ انتهى‏.‏

‏{‏وأقمن الصلاة‏}‏‏:‏ أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة، إذ هما عمودا الطاعة البدنية والمالية، ثم جاء بهما في عموم الأمر بالطاعة، ثم بين أن نهيهن وأمرهن ووعظهن إنما هو لإذهاب المأثم عنهن وتصونهن بالتقوى‏.‏

واستعار الرجس للذنوب، والطهر للتقوى، لأن عرض المقترف للمعاصي يتدنس بها ويتلوث، كما يتلوث بدنه بالأرجاس‏.‏ وأما الطاعات، فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر، وفي هذه الاستعارة تنفير عما نهى الله عنه، وترغيب فيما أمر به‏.‏ والرجس يقع على الإثم، وعلى العذاب، وعلى النجاسة، وعلى النقائص، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت‏.‏ وقال الحسن‏:‏ الرجس هنا‏:‏ الشرك‏.‏ وقال السدي‏:‏ الإثم‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ الشيطان‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ الفسق؛ وقيل‏:‏ المعاصي كلها، ذكره الماوردي‏.‏ وقيل‏:‏ الشك؛ وقيل‏:‏ البخل والطبع؛ وقيل‏:‏ الأهواء والبدع‏.‏ وانتصب أهل على النداء، أو على المدح، أو على الاختصاص، وهو قليل في المخاطب، ومنه‏:‏

بل الله نرجو الفضل *** وأكثر ما يكون في المتكلم، وقوله‏:‏

نحن بنات طارق *** نمشي على النمارق

ولما كان أهل البيت يشملهن وآباءهن، غلب المذكر على المؤنث في الخطاب في‏:‏ ‏{‏عنكم‏}‏، ‏{‏ويطهركم‏}‏‏.‏ وقول عكرمة، ومقاتل، وابن السائب‏:‏ أن أهل البيت في هذه الآية مختص بزوجاته عليه السلام ليس بجيد، إذ لو كان كما قالوا، لكان التركيب‏:‏ عنكن ويطهركن، وإن كان هذا القول مروياً عن ابن عباس، فلعله لا يصح عنه‏.‏ وقال أبو سعيد الخدري‏:‏ هو خاص برسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين‏.‏ وروي نحوه عن أنس وعائشة وأم سلمة‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هم أهله وأزواجه‏.‏ وقال زيد بن أرقم، والثعلبي‏:‏ بنو هاشم الذين يحرمون الصدقة آل عباس، وآل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، ويظهر أنهم زوجاته وأهله، فلا تخرج الزوجات عن أهل البيت، بل يظهر أنهن أحق بهذا الاسم لملازمتهن بيته، عليه الصلاة والسلام‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ والذي يظهر أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك ألبتة، فأهل البيت‏:‏ زوجاته وبنته وبنوها وزوجها‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وفي هذا دليل على أن نساء النبي من أهل بيته‏.‏ ثم ذكر لهن أن بيوتهن مهابط الوحي، وأمرهن أن لا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب الجامع بين أمرين‏:‏ وهو آيات بينات تدل على صدق النبوة، لأنه معجز بنظمه، وهو حكمة وعلوم وشرائع‏.‏ ‏{‏إن الله كان لطيفاً خبيراً‏}‏، حين علم ما ينفعكم ويصلحكم في دينكم فأنزله عليكم، أو علم من يصلح لنبوته ومن يصلح لأن تكونوا أهل بيته، أو حيث جعل الكلام جامعاً بين الغرضين‏.‏ انتهى‏.‏ واتصال ‏{‏واذكرن‏}‏ بما قبله يدل على أنهن من البيت، ومن لم يدخلهن قال‏:‏ هي ابتداء مخاطبة‏.‏ ‏{‏واذكرن‏}‏، إما بمعنى احفظن وتذكرنه، وإما اذكرنه لغيركن واروينه حتى ينقل‏.‏ و‏{‏من آيات الله‏}‏‏:‏ هو القرآن، ‏{‏والحكمة‏}‏‏:‏ هي ما كان من حديثه وسنته، عليه الصلاة والسلام، غير القرآن، ويحتمل أن يكون وصفاً للآيات‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏لطيفاً‏}‏، تليين، وفي ‏{‏خبيراً‏}‏، تحذير مّا‏.‏ وقرأ زيد بن علي‏:‏ ما تتلى بتاء التأنيث، والجمهور‏:‏ بالياء‏.‏

وروي أن نساءه عليه الصلاة والسلام، قلن‏:‏ يا رسول الله، ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكرنا؛ وقيل‏:‏ السائلة أم سلمة‏.‏

وقيل‏:‏ لما نزل في نسائه ما نزل، قال نساء المسلمين‏:‏ فما نزل فينا شيء، فنزلت‏:‏ ‏{‏إن المسلمين‏}‏ الآية، وهذه الأوصاف العشرة تقدّم شرحها، فبدأ أولاً بالانقياد الظاهر، ثم بالتصديق، ثم بالأوصاف التي بعدهما تندرج في الإسلام وهو الانقياد، وفي الإيمان وهو التصديق، ثم ختمها بخلة المراقبة وهي ذكر الله كثيراً‏.‏ ولم يذكر لهذه الأوصاف متعلقاً إلا في قوله‏:‏ ‏{‏والحافظين فروجهم والذاكرين الله كثيراً‏}‏، نص على متعلق الحفظ لكونه منزلة العقلاء ومركب الشهوة الغالبة، وعلى متعلق الذكر بالاسم الأعظم، وهو لفظ الله، إذ هو العلم المحتوي على جميع أوصافه، ليتذكر المسلم من تذكره، وهو الله تعالى، وحذف من الحافظات والذاكرات المفعول لدلالة ما تقدّم، والتقدير‏:‏ والحافظاتها والذاكراته‏.‏ ‏{‏أعدّ الله لهم‏}‏‏:‏ غلب الذكور، فجمع الإناث معهم وأدرجهم في الضمير، ولم يأت التركيب لهم ولهن‏.‏